ابن سبعين
112
رسائل ابن سبعين
ولا سعادة غير الذي هو فيه وإليه . فإذا كان الأمر كذلك فكل طالب ، وكل منتظر ، وكل واقف في مطلوبه على حاشيتي النقيض ، وكل من يقدر كمالا أو سعادة غير الذي هو فيه وبه فليس بسعيد ، ولا كامل . فنرجع للفقيه ، فنقول له : اعلم أن الأعمال الشرعية المراد بها إمساك النفوس عن الشهوات البدنية ، وتجريد الجوهر عن اللذات الطبيعية ، ورياضة الإنسان بالأعمال العملية وتشويقه إلى الحقائق بالمباحث العلمية ، وتحليته بالتخلقات الربانية ، وتغذيته بالملذوذات الروحانية ، حتى يتجرد عن الجسم بموت شهواته ، ويتصل بالذوات المفارقة للمادة بعلمه وتخلقه ، وعلمه جوهره . فيكون من جملة الذوات المجردة ، وذاته مفارقة ليست بجسم ، ولا في جسم ، والذوات المفارقة تعلم بغير نظر ، وتدرك بغير حواس ، وتشاهد ربها شهودا غير زماني ولا مكاني ، وهي مقيمة في حضرته إقامة أبدية ، وتتلذذ بمطالعة جلاله ، وبما يسرى لها منه من الفضل والشرف ، والكمالات الذاتية التي لا تفارق الجوهر . فحينئذ يكون الإنسان باقيا لا يفنى ، ولا يجري عليه الكون ، ويستحيل عليه الفساد ، ويتلذذ بلذات روحانية غير منقطعة ، ولا تنال في وقت دون وقت ، إذ هي في جوهره جوهرية له ، وصفة نفسه . وقد سلمت في مقدماتك واعتقادك إن نعيم الجنة لا ينقطع ، وإن الإنسان فيها لا يموت ، ولكنك جهلت الكيفية ، فهذه كيفية ذلك ، وزعمت إن ذلك لا يكون إلا بعد الموت الذي تعلمه في عرفك ، وصدقت في ذلك ، ولكنك عازك أن تعلم إن الإنسان المتوجه للقوانين الشرعية يموت عن الجسم قبل موته الذي تعلمه في عرفك ، ويتجرد عنه تجريدا تامّا بحسب استغراق حاله في ذلك ، ويدرك خاتمته ومقامه ، كما تخبر أنت إن ذلك يرى بعد الموت . والصوفية من أهل الملة كل واحد منهم متفق على هذا المعنى ، وقائل به ، وهذا هو المعروف المتعاهد عندهم ، وجميع ما تقول أنت أنه يحصل في الآخرة يدركه ، ويأكل بروحه من طرف الجنة ، ويشاهد مقعده عند اللّه ورتبته ، وخاتمته يقطع بها ، ويتكلم بالمغيبات ويكشف الواقعات قبل وقوعها ، هل هذا إلا من مطالعة النظام القديم ، وكشف ما فيه ؟ وهذا لا يكون إلا بجوهر روحاني مفارق للمادة . وأنت تسلم ، وتقول : إن السعادة تنال بتوحيد اللّه تعالى ، ومعرفته ، والأعمال الصالحة ، وعلى قدر ما يستكثر الإنسان من الأعمال تكون درجته عند اللّه وسعادته . كذلك يقول الصوفي : على قدر الأعمال الشرعية ، والميل إلى اللّه حتى يستغرق أزمنته